الأحد، 28 فبراير، 2010

الابحار في محيط المحبطات

كلما كبر مشروعك فصار أكبر منك لأجل كلمة “الله اكبر” ولتكون هي العليا فوق كل كلمة،

كبر همك وخذلان الناس لك وانفضاض الصحب عنك وتطاول السنة الأوغاد عليك وشماتة الأعداء فيك حتى لو قلت “آه” لضعفك.

ثم تتعاظم أمام مركبك الصغير في محيطك المظلم كل أمواجه من فوقها أمواج من الشدائد والتحديات،

ليظن من حولك أن الغرق مدركك وأن كفنك هو شراعك وأنك قد تصلب حياً على صاريته لتكون “عبرة” للتافهين اللاهين الذين لم يعد يهمهم أمر الدين.

ثم فجأة تصير ملوحة ذلك الماء في فمك أعذب من شربة نبع منهمل، وأشد حلاوة من العسل،

وتصير بقية الصارية المنهارة مجدافا في يدك وشراعك الممزق راية خفاقة لك… ولكن كيف؟؟

هل بسبب ما لم تعد تراه خلفك؟ ذلك المكان الذي أبحرت منه أول مرة؟ هل بلغت “بحر الظلمات” حيث مثلث اللاعودة؟

أم هل لأن خيارك الوحيد أمامك هوالأمام ومواصلة التجديف في محيط المحبطات هذا؟

حيث يحسب كل يائس فيه أنه لا يابسة تنتظرك ولا ساحل يستقبلك من وراء كل ما وراءك وأمامك وحولك وفوقك وتحتك؟

هل هي حلاوة الروح وحرارة الشغف الأول تستدفأ بهما مع رعدة البرودة التي تسري في قدميك إذ بلغ الماء لساقيك مذكراً اياك بخروق قاربك المتهالك؟

تلك هي حسابات مقامرة المغامرين وإن أصابوا، وليست بصائر المتوكلين وإن كف بصرهم او غشيهم من الهم ما غشيهم

لأنك لو كنت منهم فسترى في الأفق البعيد عنوان مشروع عمرك: “الله أكبر”…

تهتف لك بكل ألوان المنظر المهيب، تقرأها بخطوط انبثاق الضوء من بين السحب السوداء فوقك

“الله أكبر ولله الحمد” هما كل ما تبقى لك أيها البحار العنيد صوب عالمك الجديد حيث تستكشف فيه احتواء الكون في قلبك الذاكر الشاكر

هو حديث الروح التي بلغت حنجرتك حتى كأنك مت وأنت لم تمت ولو تمنيت أنك لم تكن، هاهي كأنها شمسك تشرق عليك متشامخة فوق وسوسات نفسك.

ثم تمر الأيام والناس بشاهد خشبي فوق قبرك، كتبت عليه بخط يدك: “هذا آخر لوح بقي لي من مركبي، حملني إلى هنا ولا أدري أينا الذي تشبث بصاحبه”

حينئذ سيفهمك من أساء الظن بك عندما يسمعون نعيك من مرقدك في المستحيل، حيث بلغت هدفك وحققت مرادك، رغم كل شيء بحول من الله وكرم ربك

عندها سيقول الكل على عتبات ذلك المدى الذي وصلت “الله أكبر ولله الحمد”…

ليتذكر بسماع ذلك أهلك ومحبوك – الذين تقطعت أفئدتهم لأجلك أو بسببك – أن ذلك الذكر كان كل الهواء الذي يدفعك بلا أشرعة وينفخ في رئيتك مهما أمتلأت من ماء متلاطم ضدك

سوف تتمنى لو كنت حياً لترزق سماعهم يرددون ذلك ما رددوه، كلما أتاك خراج تكبيراتهم وقد صرت تحت التراب وليس مفقوداً في قاع بحر لجي

فقط لو تذكرت أنها بوصلة البدايات التي أديت عندها نذورك وقدمت معها كل ما تملك قرابين

وأنها خارطة وجهتك لو ضل سعيك في مقل من حولك،

وأنها زاد عزيمتك عند انقطاع كل زاد

وأنها طوق النجاة من غرق روحك في قعر نفسك وأن دون ذلك يهون كل غرق،

لو لم ترفع صوتك فوق ضجيج العواصف والرعود والأمواج والقيل والقال بـ “الحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر” مستذكراً بها قسمك وأنها حبلك المتين الموصول بالسماء…

كيف يغرق من استمسك بهذا وكيف لا يصل هذا المتصل؟

***

هذه ليست تدوينة جديدة ولكنها رسالة في قنينة كتبها فجر هذا اليوم / عصام مدير

المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اصدقائنا على الفيسبوك